العلاج الإشعاعي هو أسلوب علاجي يستخدم الإشعاع المؤيِّن في التعامل مع السرطان. ويُطبَّق بطريقتين رئيسيتين: العلاج الإشعاعي الداخلي والعلاج الإشعاعي الخارجي.
يُعرف العلاج الإشعاعي الداخلي باسم المعالجة الكثبية (البراكي ثيرابي). وفي هذه التقنية، تُوضع مصادر مشعة خاصة مباشرة داخل نسيج الورم أو بالقرب منه. ومن خلال وضع هذه المواد المشعة داخل تجويف الورم أو بجواره، يمكن إيصال جرعات عالية من الإشعاع إلى الورم بدقة مع تقليل التعرض للأنسجة السليمة المحيطة إلى أدنى حد. يتيح هذا النهج السيطرة الفعّالة على الورم مع أقصى حماية للأعضاء المجاورة.
في العلاج الإشعاعي الخارجي، تُوجَّه الأشعة السينية المتولِّدة في بيئة كهربائية إلى المريض من مسافة تبلغ نحو 80–100 سم. ويمكن إجراء العلاج الإشعاعي الخارجي ليس فقط باستخدام حزم الأشعة السينية (الفوتونات) بل أيضاً باستخدام العلاج الإشعاعي بالجسيمات. فعلى سبيل المثال، يُعدّ العلاج بحزمة الإلكترونات، المستخدم بكثرة في الممارسة السريرية، نوعاً من العلاج الإشعاعي بالجسيمات. وإلى جانب العلاج بالإلكترونات، أصبح العلاج بالبروتونات منتشراً بشكل متزايد حول العالم. غير أنه نظراً إلى أن إنتاج البروتونات يتطلب تقنية متقدمة وبنية تحتية ضخمة وتكاليف مرتفعة، فإنه متاح حالياً في عدد محدود فقط من المراكز عالمياً وغير متوفر بعد في تركيا. ويبقى العلاج بحزم الفوتونات أو الإلكترونات أسلوباً علاجياً إشعاعياً اقتصادياً وواسع الاستخدام وعالي النجاح في جميع أنحاء العالم.
يُستخدم العلاج الإشعاعي في علاج جميع أنواع السرطان تقريباً
يمكن استخدام العلاج الإشعاعي في علاج جميع أنواع السرطان تقريباً. ويُطبَّق بشكل أقل شيوعاً في سرطانات الدم مثل اللوكيميا وفي سرطانات الأطفال بسبب ارتفاع خطر الآثار الجانبية. وفيما عدا هذه الاستثناءات، يؤدي العلاج الإشعاعي دوراً حاسماً في التعامل مع سرطانات الرأس والعنق، وسرطان الرئة، والأورام النسائية، وسرطان الثدي، وسرطان الجلد، وأورام الدماغ. فعلى سبيل المثال، في سرطان عنق الرحم المتقدم موضعياً، لا تكون الجراحة خياراً متاحاً، ولا يكفي العلاج الكيميائي وحده. وعندما يُدمج العلاج الإشعاعي مع العلاج الكيميائي في الحالات التي يكون فيها السرطان محصوراً داخل الرحم، يمكن أن تصل معدلات نجاح العلاج إلى 90%. وحتى عندما يمتد السرطان إلى ما وراء الرحم دون أن ينتشر على نطاق واسع، يمكن تحقيق معدلات سيطرة موضعية وإقليمية تتراوح بين 70–80%.
الآثار الجانبية للعلاج الإشعاعي تتناقص بمرور الوقت
مع التقدم التكنولوجي، شهد العلاج الإشعاعي تحسينات كبيرة. فعلى سبيل المثال، في حين كان العلاج الإشعاعي ثنائي الأبعاد في الماضي يسبب غالباً جفافاً دائماً في الفم لدى مرضى أورام الرأس والعنق، فإن التقنيات الحديثة تتيح الآن العلاج دون هذه الآثار الجانبية. كما تم تقليل الحروق الجلدية الشديدة، التي كانت يوماً من أكثر المضاعفات شيوعاً، عبر العلاج الإشعاعي المعدَّل الشدة (IMRT) الذي يحمي الجلد. باختصار، مع تقدم التكنولوجيا، أصبحت كل من الآثار الجانبية الحادة والمتأخرة أثناء العلاج الإشعاعي وبعده أقل تواتراً بشكل ملحوظ.
العلاج الإشعاعي يُحدث كسوراً في الحمض النووي لخلايا الورم
يستخدم العلاج الإشعاعي الإشعاع المؤيِّن. وعند استخدام الأشعة السينية، يؤيِّن الإشعاع جزيئات الماء — وهي الجزيئات الأكثر وفرة في سيتوبلازم الخلية — مُنتجاً أيونات وجذوراً حرة. وتسبب هذه الجذور الحرة كسوراً في الحمض النووي لنواة الخلية. ولا يؤثر الإشعاع بشكل انتقائي على خلايا الورم وحدها؛ بل يؤثر أيضاً في خلايا الأنسجة الطبيعية المحيطة بها. غير أنه نظراً إلى أن الخلايا الطبيعية تمتلك آليات سليمة لإصلاح الحمض النووي، فإنها تستطيع عادةً إصلاح الضرر والبقاء حية. أما خلايا الورم، من ناحية أخرى، فغالباً ما تفتقر إلى جينات إصلاح وظيفية، ما يجعلها غير قادرة على التعافي ويؤدي إلى موت الخلية. قد تحدث كسور الحمض النووي على شكل كسور أحادية الشريط أو ثنائية الشريط. وتسبب الكسور ثنائية الشريط ضرراً قاتلاً للمادة الوراثية، في حين تكون الكسور أحادية الشريط قابلة للإصلاح عادةً، ما يؤدي إلى ما يُعرف بـ«المقاومة الإشعاعية». ويتمثل الهدف الأساسي للعلاج الإشعاعي في إحداث كسور ثنائية الشريط في الحمض النووي تدمر تماماً السلامة الوراثية لخلايا الورم.
الهدف الرئيسي من العلاج هو السيطرة الموضعية
يتمثل الهدف الأساسي للعلاج الإشعاعي في تحقيق السيطرة الموضعية على الورم مع تقليل الآثار الجانبية إلى أدنى حد. ويتطلب العلاج الناجح الموازنة بين الفعالية الموضعية العالية وأقل خطر ممكن للمضاعفات الحادة وطويلة الأمد.
تخطيط العلاج في العلاج الإشعاعي عملية طويلة وحاسمة
كما هو الحال في علاجات السرطان الأخرى، تبدأ عملية العلاج الإشعاعي بأخذ تاريخ مرضي مفصّل للمريض — فلا يمكن لأي وسيلة تشخيصية أن تحل محل قيمة المعلومات التي يتم الحصول عليها من المريض. وتشمل الخطوة التالية فحصاً بدنياً دقيقاً وتقييماً لجميع نتائج الفحوصات. وإذا كان العلاج الإشعاعي مُستطبَّاً، يُجرى تصوير مقطعي محوسب للتخطيط لتحديد منطقة العلاج. ثم يحدد أطباء علاج الأورام بالإشعاع بعناية الأحجام المستهدفة — أي المناطق التي يرجَّح فيها وجود الورم — إضافةً إلى الأنسجة الطبيعية المجاورة على هذه الصور. ويصمم الفيزيائيون الطبيون بعد ذلك خطة العلاج الأنسب للمريض، ويراجعها كلا الاختصاصيين معاً ويحسّنانها حسب الحاجة. قد تستغرق هذه العملية الدقيقة عدة أيام، وفي بعض الحالات قد توضع عشرات الخطط المختلفة لمريض واحد قبل تحديد الخطة المثلى. وبمجرد الموافقة على الخطة، تخضع لاختبارات ضبط الجودة على جهاز العلاج قبل بدء العلاج الفعلي.
مرحلة تخطيط العلاج طويلة لكنها حاسمة. وعلى الرغم من أن معظم المراكز الحديثة مجهزة بتقنيات عالية المستوى، فإن نجاح العلاج الإشعاعي لا يعتمد فقط على جودة المعدات بل أيضاً على خبرة فريق العلاج وكفاءته.
ينبغي تخطيط العلاج وتقديمه بما يقلل مخاطر الآثار الجانبية
قد تحدث بعض الآثار الجانبية الحادة والمتأخرة أثناء العلاج الإشعاعي. ومن أمثلة الآثار الحادة الغثيان لدى المرضى الذين يتلقون إشعاعاً على الجزء العلوي من البطن، أو الإسهال وتفاقم أعراض البواسير لدى من يُعالَجون في الجزء السفلي من البطن. وتزول هذه عادةً خلال بضعة أسابيع بعد انتهاء العلاج. أما الآثار الجانبية الأكثر إثارة للقلق فهي الآثار المتأخرة — فعلى سبيل المثال، قد يزيد الإشعاع غير المخطط له جيداً على منطقة الصدر من خطر الإصابة بمرض الشريان التاجي والنوبة القلبية على المدى الطويل.
أتاحت التطورات التكنولوجية اليوم إمكانية تقليل هذه المخاطر بشكل كبير. وفي حين قد ينطوي كل علاج على آثار جانبية محتملة، فإن المفتاح هو تخطيط العلاج الإشعاعي وتقديمه بطريقة تقلل هذه المخاطر قدر الإمكان.
العلاج الإشعاعي عمل جماعي لا يشمل اختصاصيي علاج الأورام بالإشعاع فحسب، بل أيضاً فريقاً متعدد التخصصات من مهنيي الرعاية الصحية. ويتطلب علاج السرطان الناجح التعاون بين أطباء الأشعة، واختصاصيي علم الأمراض، واختصاصيي علاج الأورام بالأدوية، والجراحين، وأطباء علاج الأورام بالإشعاع. وفي مستشفانا، يعمل هذا الفريق متعدد التخصصات بانسجام وثيق لضمان أعلى جودة من الرعاية لكل مريض.